السيد محمد باقر الصدر
83
المدرسة القرآنية ( تراث الشهيد الصدر ج 19 )
القرآن الكريم أنّه من خلال استعراضه للكتب الغيبية الإحصائية ، تحدّث القرآن عن كتاب للفرد ، وتحدّث عن كتاب للُامة ، عن كتاب يحصي على الفرد عمله ، وعن كتاب يحصي على الامّة عملها ، وهذا تمييز دقيق بين العمل الفردي الذي يُنسب إلى الفرد وبين عمل الامّة ، أي العمل الذي له ثلاثة أبعاد ، والعمل الذي له بعدان . العمل الذي له بعدان لا يدخل إلّافي كتاب الفرد ، وأمّا العمل الذي له ثلاثة أبعاد فهو يدخل في الكتابين معاً . باعتبار البعدين يدخل في كتاب الفرد ويحاسب الفرد عليه ، وباعتبار البعد الثالث يدخل في كتاب الامّة ويعرض على الامّة وتحاسب الامّة على أساسه . لاحظوا قوله سبحانه تعالى : « وَتَرى كُلَّ أُمَّةٍ جاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ * هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » « 1 » . هنا القرآن الكريم يتحدّث عن كتاب للُامة ، امّة جاثية بين يدي ربّها ويقدّم لها كتابها ، يقدّم لها سجل نشاطها ، حياتها التي مارستها كأمة ، هذا العمل الهادف ذو الأبعاد الثلاثة يحتويه هذا الكتاب ، وهذا الكتاب - انظروا إلى العبارة - يقول : « إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » هذا الكتاب ليس تاريخ الطبري ، لا يسجّل الوقائع الطبيعية ، الفسلجية ، الفيزيائية ، يحدّد ، يستنسخ ما كانوا يعملون كأمة ، ما كانت الامّة تعمله كامّة ، يعني العمل الهادف ذوالموج بحيث ينسب للُامة وتكون الامّة مدعوّة إلى كتابها . هذا العمل هو الذي يحويه هذا الكتاب ، بينما في آية أخرى نستمع إلى قوله سبحانه وتعالى : « وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتاباً يَلْقاهُ
--> ( 1 ) الجاثية : 28 - 29